هبوط الذهب يعيد حسابات المستثمرين وسط تضارب مؤشرات السوق
أعاد تراجع الذهب إلى ما دون 3900 دولار للأونصة فتح النقاش حول توقيت الشراء، بعد أشهر من توقعات صعود قوية وصلت في بعض التقديرات إلى عشرة آلاف دولار.
دخلت أسواق الذهب مرحلة جديدة من عدم اليقين بعدما هبط سعر الأونصة يوم الجمعة إلى أقل من 3900 دولار، وهو أدنى مستوى في عام، مخالفاً توقعات واسعة كانت ترجح استمرار الارتفاع خلال 2026. وجاء التراجع بعد موجة صعود دفعت المعدن النفيس في نهاية يناير/كانون الثاني إلى أكثر من 5608 دولارات للأونصة، وسط إقبال قوي من المستثمرين والمضاربين.
في نهاية 2025 وبداية العام الجاري، قدمت بنوك استثمار ومؤسسات مالية كبرى سيناريوهات متفائلة بشأن الذهب، مدفوعة بتراجع الثقة في السندات الحكومية الأميركية والأوروبية، وتصاعد مخاوف التضخم، واتجاه المستثمرين والأفراد إلى المعدن بوصفه ملاذاً آمناً وأداة استثمار أقل تعرضاً للمخاطر. وشهدت أسواق المعادن الثمينة آنذاك مضاربات كثيفة وارتفاعاً إلى مستويات غير مسبوقة منذ بداية القرن.
ذهبت بعض التوقعات إلى إمكان تجاوز الذهب حاجز عشرة آلاف دولار. ورأى ريان ليمند، الرئيس التنفيذي لشركة نيو فيجن لإدارة الثروات، أن الأونصة قد تبلغ هذا المستوى قبل انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مطلع 2029. كما توقع تقرير لشركة تريدز يونيو للأبحاث المالية بلوغ السعر عشرة آلاف دولار بحلول 2027، وطرح رجل الأعمال الأميركي مايك ليندل تقديراً مماثلاً.
المحلل الاقتصادي جيم ريكاردز توقع وصول الذهب إلى عشرة آلاف دولار في منتصف 2027 أو نهايته، وربما قبل ذلك، مستنداً إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية، وثبات إنتاج المناجم، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، إضافة إلى قوة التحركات السعرية التي ظهرت في بداية العام. وفي اتجاه أكثر تطرفاً، تحدث المحلل المالي بيتر شيف عن احتمال بلوغ مائة ألف دولار على المدى البعيد إذا انهار النظام النقدي العالمي أو حدث تضخم مفرط.
استند هذا السيناريو البعيد إلى سوابق تاريخية شهدت تضاعفاً سريعاً للأسعار، من بينها اليونان عام 1944، والمجر في 1945 و1946، وألمانيا عام 1923، وزيمبابوي بين 2007 و2008 عندما أصدرت ورقة نقدية بقيمة مائة تريليون، وفنزويلا عام 2018 حين تزامن الانهيار الاقتصادي وهبوط إنتاج النفط مع تضخم بلغ عشرات الآلاف في المائة سنوياً.
لكن حركة السوق اتخذت مساراً معاكساً، فتراجع الذهب رغم ارتفاع التضخم في اقتصادات كبرى ورفع بنوك مركزية رئيسية أسعار الفائدة، مع توقعات بزيادة جديدة من مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي الشهر المقبل. كما ارتبط الهبوط باحتمال تراجع المخاوف الجيوسياسية، سواء في الشرق الأوسط حيث الحرب على إيران، أو في شرق أوروبا حيث تستمر الحرب الروسية الأوكرانية.
يعكس الذهب حالياً حالة التذبذب التي تشهدها أسواق السلع الرئيسية، بما فيها النفط والغاز والحبوب والمعادن. ولذلك لا يعني هبوط السعر تلقائياً أن الشراء أصبح منخفض المخاطر. فقد يستمر التراجع إذا تباطأت مشتريات صناديق الذهب المتداولة والبنوك المركزية، وتسارعت زيادات الفائدة على العملات الرئيسية، وسحبت السلطات النقدية مزيداً من السيولة لمواجهة التضخم.
في المقابل، قد يستعيد الذهب صعوده إذا واصلت البنوك المركزية تقليص احتياطيات الدولار وزيادة حيازاتها من المعدن، أو تعرض النظام النقدي والمالي لمزيد من التصدع، أو عادت سياسات التفتيت الاقتصادي والحروب التجارية، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين. وبقاء هذه المؤشرات المتعارضة يجعل اتجاه الأسعار مفتوحاً على أكثر من احتمال، ويزيد أهمية التروي والاستعانة بمتخصصين عند اتخاذ قرارات البيع أو الشراء.
B.Sumairi--al-Hayat