AL HAYAT - الزيتون الفلسطيني بين خسائر الحرب والاستهداف المتكرر للأرض

Riyadh -

IN THE NEWS

الزيتون الفلسطيني بين خسائر الحرب والاستهداف المتكرر للأرض
الزيتون الفلسطيني بين خسائر الحرب والاستهداف المتكرر للأرض

الزيتون الفلسطيني بين خسائر الحرب والاستهداف المتكرر للأرض

جاء موسم الزيتون هذا العام، لكن أين أشجار غزة؟ وأين البساتين التي كانت تضج بالحياة؟

Text size:

جاء موسم الزيتون هذا العام، لكن أين أشجار غزة؟ وأين البساتين التي كانت تضج بالحياة؟

وأين العائلات التي كانت تجتمع تحت أغصانها، تتقاسم التعب والفرح، وتنتظر حصاد عام كامل من الصبر والرجاء؟ جاء موسم القطاف، فإذا بمساحات واسعة من بساتين غزة قد تحولت إلى أرض جرداء، وأشجارها المعمّرة قد اقتُلعت أو دُمّرت، وأصحابها بين شهيد ونازح ومكلوم.

لم تعد المأساة أن الفلسطيني حُرم من قطف زيتونه، بل أن أشجارًا ورثها عن أجداده لم تعد موجودة ليقطف ثمارها، وأن أرضًا كانت تفيض بالخير أصبحت تحمل آثار الحرب والخراب. فما السر وراء استهداف شجرة الزيتون الفلسطينية؟

ولماذا أصبحت هذه الشجرة المسالمة جزءًا من معركة الأرض والهوية والوجود؟ ليست الزيتونة في فلسطين مجرد شجرة تُثمر زيتًا، بل ذاكرة وطن، وجذور شعب، وشهادة تاريخية على ارتباط الإنسان بأرضه.

يزرعها الجد، ويرعاها الأب، ويقطف ثمارها الحفيد، فتغدو ميراثًا تتناقله الأجيال، وحكاية لا تنتهي بموت أصحابها. إنها الشجرة التي عاشت قبل ولادة كثيرين، وشهدت رحيل أجيال، وبقيت واقفة كأنها تقول إن لهذه الأرض أهلًا، وإن جذورهم فيها أعمق من كل محاولات اقتلاعهم.

وفي غزة، لم تكتفِ الحرب بتدمير البيوت والمستشفيات والمدارس، بل امتدت إلى الأرض وما عليها؛ جُرفت المزارع، ودُمّرت بساتين الزيتون والحمضيات والنخيل، وضاعت مصادر رزق آلاف العائلات التي عاشت أجيالًا من خيرات أرضها. لقد كانت أشجار الزيتون في غزة جزءًا من حياة الناس اليومية؛ يستظلون بأغصانها، ويجمعون ثمارها، ويعصرون زيتها، ويحتفظون بما يكفيهم لعام كامل.

وكانت مواسم القطاف مناسبة اجتماعية تجمع العائلة والجيران، وتُعلّم الأطفال معنى الأرض والعمل والانتماء. أما اليوم، فقد جاء الموسم على كثير من العائلات دون أشجار، ودون معاصر، ودون أحبة كانوا يتقاسمون معها تعب الحصاد وفرحته.

وفي الضفة الغربية، تتكرر اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون، اقتلاعًا وحرقًا وتخريبًا، فضلًا عن الاعتداء على المزارعين وعرقلة وصولهم إلى أراضيهم، في ممارسات وثّقتها مؤسسات حقوقية وأممية. وهنا يتضح أحد أسرار الاستهداف؛ فالزيتونة ليست مصدر رزق فحسب، بل عنوان للاستقرار والارتباط بالأرض.

وتدميرها لا يحرم المزارع من محصوله وحده، بل يهدد قدرته على الاستمرار في فلاحة أرضه، ويجعل حياته أكثر قسوة، ويفتح الباب أمام مزيد من النزوح وفقدان مصادر العيش. إن اقتلاع شجرة زيتون عمرها مئة عام لا يحتاج إلا دقائق، لكن تعويض تاريخها وثمارها وذكرياتها يحتاج أجيالًا.

والأشد وجعًا أن الفلسطيني الذي فقد بيته في غزة، وفقد أحباءه ومصدر رزقه، قد يعود إلى أرضه فلا يجد حتى شجرة الزيتون التي كان يستظل بها، ولا الجذع الذي كان يجلس عنده أبوه، ولا الأغصان التي كانت تجمع الأسرة في صباحات القطاف. فأي وجع أشد من أن يعود الإنسان إلى أرضه فلا يتعرف إلى ملامحها؟

وأي خسارة أكبر من أن يبحث الطفل عن زيتونة جده فلا يجد سوى التراب وآثار الجرافات؟ لقد كان موسم الزيتون عيدًا فلسطينيًا بلا دعوات ولا بطاقات؛ موعدًا تتلاقى فيه الأجيال، وتُروى فيه الحكايات، وتفوح من المعاصر رائحة الزيت الجديد.

واليوم أصبح هذا الموسم شاهدًا على حجم ما فقدته غزة من أرض وخضرة وذكريات. ومع ذلك، فإن اقتلاع الأشجار لا يمحو تاريخ الأرض، وتدمير البساتين لا يلغي حقوق أصحابها، والجرافات مهما بلغت قوتها لا تستطيع اقتلاع الانتماء من القلوب.

ستُزرع أشجار جديدة، وستعود الحياة إلى الأرض حين تتوافر لها أسباب الأمان والإعمار، لكن أشجار الأجداد التي دُمّرت ستظل جرحًا في الذاكرة الفلسطينية. لقد جاء موسم الزيتون، لكن غزة لا تبكي ثمارها وحدها؛ إنها تبكي أشجارًا عاشت أطول من أعمار أصحابها، وذكريات دُفنت تحت الركام، وأجيالًا حُرمت من ميراث أجدادها.

قد يقتلعون الزيتون من تراب فلسطين، لكنهم لن يقتلعوا فلسطين من جذور الإنسان الفلسطيني؛ فالأرض التي أنبتت الزيتون قرونًا، قادرة على أن تُنبت الحياة من جديد.

Y.Saleh--al-Hayat